ابن بسام

209

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وكان شهابا لا يصطلى بناره ، وأسدا لا يستقرّ على زاره ، إلا أنه كان من الإدلال ببأسه ، والإهمال لنفسه ، والإقبال على كيسه وكأسه ، والغفلة عن عادة اللّه في جنسه ، آية من آيات اللّه الذي وكله إلى سوء القدر ، وقتله بيد أضعف البشر ، أحد الرجّالة « 1 » المتلصصين ، والدائرة المتمردين ، المتصرفين في صغار المهن ، النابتين في مدارج سيول الفتن ، رجل كان يعرف بابن عكّاشة ، لم تكن له سابقة قديمة ، ولا نباهة معلومة ، فراشة طارت حول نار الفتنة المبيرة ، المهتكة لمحارم هذه الجزيرة ، فترقّى من سكنى الشّعاب ، والسكون إلى الذئاب ، وانتهاز الفرصة إن أمكنته « 2 » في الطارق المنتاب ، إلى تسنّم المعاقل ، وتدبير الأمور الجلائل ، وأذكاه ابن ذي النون عينا على قرطبة ، في أحد الحصون المصاقبة لها ، وأبعد آماله كانت إخافة سبلها ، وتحيّف عملها ؛ وكان إحدى « 3 » الأعاجيب ذكاء لب ، وصرامة قلب ، وتقدّما إلى ضرب ، لا يحلّ إلّا ريثما يرحل ، ولا يقول إلّا بعد ما يفعل ، وابن مرتين في خلال ذلك خال بشيطانه ، ساع في شانه ، بين بطالته وطغيانه ، كلّما حدّث عن ابن عكاشة بغرّة اهتبلها ، وأشير عليه في أمره بنصيحة كي / يقبلها [ 54 أ ] أعرض عن الصادق الخبير ، ودفع في صدر الناصح المشير . حدّثني من أثق بخبره ، ممن كان بعض أبواب قرطبة يومئذ إلى نظره ، أنّ ابن عكاشة كان يسري تحت الليل إلى أحد حرّاسها فيخرج إلى بعض مردتها ، فيطعمهم ويسقيهم ، ويدبّر كيف يفتح البلد على أيديهم ، ويولّيهم الأعمال ويقطعهم النفوس والأموال ، فأخبر بذلك عباد بن المعتمد ، فقال له : الق ذا الوزارتين الأعلى ابن مرتين ، وكان لا يستبدّ « 4 » عليه ، ولا يقطع أمرا إلا بين يديه ، فأدّى ما كان عنده من ذلك إليه ، فأظهر السرور ، ووعد الجدّ والتشمير ، وقال له : تقدّم إلى فلان وفلان ، جماعة كانت بالحضرة من الأعيان ، فليكونوا عندك في العدد الوافر ، والسلاح الظاهر ، فأمرهم عنه فأتمروا ، وتقدّم إليهم بالحضور فحضروا :

--> ( 1 ) ل : الرجابة . ( 2 ) دوزي : أمكنت . ( 3 ) م : أحد . ( 4 ) بعد هذه اللفظة بياض عند دوزي ، لا وجود له في النسخ المعتمدة .